أقلام الثبات
ليس عبثاً رفضُ دول حلف الناتو المشاركة في الحرب على إيران، بل العبث الذي لامس الحماقة، هو في مشاركة الدول الخليجية والأردن في هذا العدوان، من خلال إباحة أراضيها للقواعد الأميركية؛ في مخالفة واضحة لقرار الأمم المتحدة رقم 3314 الصادر بتاريخ 14 ديسمبر كانون الأول من العام 1974، والذي نصَّ حرفياً في بند "استخدام الأراضي" على التالي: "سماح دولة ما باستخدام أراضيها، والتي وضعتها تحت تصرف دولة أخرى، للهجوم على دولة ثالثة".
وإذا كان مصطلح "أراضي دولة" بالمفهوم السيادي يشمل الأجواء الوطنية والمياه الإقليمية والجغرافيا البرية، فإن ذلك يعني أن نظام أي دولة ذات سيادة لا يجب أن يسمح باستخدام أراضيها للعدوان، إلا إذا كان مفهوم السيادة هو حصراً الحفاظ على "العرش العائلي"، وهذا ما ارتكبته الأنظمة التي شاركت في العدوان على إيران، وسقطت في مستنقع كذبة نتانياهو على ترامب عندما راهنت على أن النظام الإيراني قد يسقط خلال أيام.
ولعل هذا الرهان الخائب لم يكن البداية في مغامرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لأن ما سبقه كان أكثر خيبة، عندما فشلت كل استخبارات "أميركا العظيمة" في التقصِّي حول قوة النظام الديني العقائدي في إيران، وقدرات هذا البلد العسكرية الهائلة والعلمية المُستدامة، بحيث يتخرج من الجامعات الإيرانية سنوياً أكثر من 200 مهندس في الفيزياء النووية، وأن دولة بمساحة قارة تعداد شعبها يقارب 92 مليوناً، انتصرت على واقع الحصار الظالم لما يقارب النصف قرن وأبدعت ذاتياً في تأمين استراتيجية صمودها وكرامة شعبها، ولا تستورد عناصر جيشها وأمنها الذاتي من الخارج، كما تفعل بعض الدول الخليجية التي تعتمد على العنصر العسكري البشري من اليمن والسودان وسلطنة عُمان، وعلى العنصر العسكري التقني من القواعد الأميركية التي ابتلعت المليارات لقاء الحماية الفاشلة، وانتهت إلى انتكاسة العجز عن حماية نفسها.
تاكر كارلسون؛ المذيع الأبرز ومقدم البرامج الحوارية الأشهر في أميركا، والذي انشقَّ مؤخراً عن حركة MAGA المؤيدة لترامب وعن الحزب الجمهوري، احتجاجاً على الحرب الأميركية على إيران من أجل "إسرائيل" على حد تعبيره، استضاف في إحدى حلقاته الحوارية المؤرخ والمحلل الجيوسياسي الأميركي براندون ج. ويكرت، بصفته الخبير في شؤون الأمن القومي.
قال "ويكرت"، إن أميركا أرسلت فخر الصناعة البحرية الأميركية وأكثرها كلفة؛ من حاملات طائرات ومدمرات لمواجهة إيران، لكن كل هذا الحشد الضخم عجز عن فتح مضيق هرمز أو إلزام إيران بفتحه عبر الحصار، والتكتيكات الحديثة التي تمتلكها إيران جعلت من التجهيزات الأميركية "خردة عائمة".
وأضاف ويكرت أنه لا يمكن لأميركا العودة إلى الحرب مع إيران في الوقت الحاضر، لأن هذه العودة ستقضي على كل الأصول الأميركية، خصوصاً بعد أن استهلكت القوات الأميركية الكثير من صواريخها الإعتراضية ( 80% من صواريخ "ثاد"، و50% من صواريخ "باتريوت"، و30% من صواريخ "توماهوك" وتعويض هذا النقص في المخزون، مهما تم تنشيط الصناعة الحربية قد يستغرق ما بين سنتين وأربع سنوات.
واختتم "ويكرت" تحليله بالقول: كان يجب على الرئيس ترامب وقف هذه الحرب، لأن الاقتصاد الأميركي لم يعد يحتمل، والاحتياطي النفطي بدأ بالنفاذ ولا يكفي لبضعة أسابيع بسبب إغلاق مضيق هرمز، ولم ينفع في ضبط إرتفاع أسعار الوقود، وبالتالي أسعار المواد الإستهلاكية، وهدد سلاسل التموين الغذائي وأثار مخاوفاً من الضغط الشعبي الذي بدأ يظهر في الشارع ضد حربٍ ليست لمصلحة أميركا.
من جهة المواقف الخليجية، فقد بدأت دول مجلس التعاون مواجهة مرحلة إعادة تموضع استراتيجية ودفاعية حاسمة، حيث تبتعد عن سياسات المحاور وتتجه نحو "البراغماتية الصارمة" و"الدبلوماسية الوسطية"، مع تسريع التكامل الذاتي لحماية مصالحها الاقتصادية، وتهدف إلى بناء هيكل أمني مستقل يتجنب تبعات الصراعات الدولية والتهديدات الإقليمية إلى حدود مهادنة إيران، وإلى درجة "شراء الأمن" عبر وسائل متعددة، منها على سبيل المثال لا الحصر، تسهيل معاملات الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وصولاً إلى الدفع النقدي كتعويض إعادة إعمار سواء من فوق الطاولة أو من تحتها، كما فعلت دولة الإمارات.
ولأننا في الإمارات، حيث مركز ما يسمى "البيت الإبراهيمي"، ولأن الرئيس ترامب طلب مراراً من السعودية وقطر وتركيا وباكستان الانضمام إلى معاهدة "وحدة الديانات الإبراهيمية"، ومع رفض هذه الدول الدعوة الرامية لإنقاذ "إسرائيل" من مأزق عزلتها الدولية، فإن النصر الإيراني يتجلى بأبهى صوره عند هذه النقطة بالذات.
سقطت كذبة "الوحدة الإبراهيمية"، والتباكي الصهيوني على "حائط المبكى" لا ينفع، والشارع العربي لا يعنيه تناوُل الموضوع من النواحي العرقية والدينية والسياسية، لكن كذبة "الوحدة الإبراهيمية" كانت بلسماً يشفي الصهاينة من جرح "مُعاداة السامية"، وهو اصطلاح يهودي لما يعتبرونه اضطهاداً تاريخياً لهم، وما تعرضوا له من مؤامرات وتهميش ومجازر في عدة دول، والتي بلغت ذروتها في المحرقة النازية التي عُرفت باسم (الهولوكوست)، لكن أن يتحول الأمر إلى مبرر صهيوني لارتكاب المجازر بحق شعوب لم تشارك في إيقاد نار "الهولوكوست"، فهنا تكمن المعضلة في التمييز بين اليهودية والصهيونية، بين من ارتكبوا المجازر بحق اليهود من جهة، وبين مَن يرتَكِب الصهاينة المجازر بحقهم منذ العام 1948 من جهة أخرى، وآن أوان التمييز بين اليهودية كديانة وبين الصهيونية كنزعة احتلال وتوسُّع في الفكر السياسي المشرقي والإسلامي، ويبدو أن الفكرة قد وصلت ونضجت من خلال بدء المشاورات الجدية لقيام حلف قوامه السعودية ومصر وتركيا وباكستان، وقد تنضم إليه إيران لاحقاً، ولكن حسبُ إيران أنها أجادت تلقين الدروس لمن جذبتهم كذبة الوحدة الإبراهيمية مع الصهاينة وليس مع اليهود.
لبنان تحت الحكم الأمريكي العسكري.. والسياسي _ د. نسيب حطيط
بانتظار ساعة الصّفر.. " ضربة ايرانيّة تقلب الموازين في لبنان "! ـ ماجدة الحاج
مهادَنة الحكومة إجهاض لجهود إيران.. ودعم لمسار واشنطن _ د. نسيب حطيط