خاص الثبــات
مرة جديدة، يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى لعبته المفضلة: السير فوق حافة الهاوية. فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من حضوره السياسي على لغة التهديد والضغوط القصوى، يحاول اليوم إعادة رسم المشهد الإقليمي وفق مقاس الرؤية الأميركية، معتقداً أن ما عجزت عنه الإدارات الأميركية المتعاقبة طوال سبعة وأربعين عاماً يمكن أن يتحقق عبر مزيج من الترهيب السياسي والابتزاز الدبلوماسي.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه إلى المنتجع السويسري حيث انطلقت جولة مفاوضات وُصفت بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، بحضور وفود تقنية وسياسية وأمنية ومالية من الجانبين، إلى جانب وسطاء إقليميين سعوا إلى تفكيك العقد وتدوير الزوايا، بدا أن مسار التفاهم يسير في مناخ إيجابي مدعوم بترحيب إقليمي واسع. إلا أن ترامب، وكعادته، اختار أن يبعثر أوراق الطاولة قبل نضوج التفاهمات، فعاد إلى خطاب التهديد والوعيد، وكأنه يخشى أن يخرج اتفاق لا يحمل بصمته الكاملة أو لا يكرّس صورة المنتصر التي يسعى إلى تسويقها.
هذه العودة المفاجئة إلى لغة التصعيد لم تمر مرور الكرام. فقد جاء الرد الإيراني سريعاً وحاسماً، تمثل في انسحاب المفاوض الإيراني من الجلسات ووضع شرط واضح لاستئنافها: اعتذار أميركي صريح والالتزام الكامل بالنقاط الأربع عشرة التي تشكل أساس التفاهمات المطروحة. بذلك، أرادت طهران أن تبعث برسالة مزدوجة مفادها أن زمن الإملاءات قد ولى، وأن التفاوض لا يمكن أن يجري تحت ظلال التهديد أو على وقع قرع طبول الحرب.
إن ما تشهده الساحة اليوم يتجاوز مجرد خلاف حول بنود تفاوضية. إنه صراع إرادات بين قوة عظمى اعتادت فرض شروطها بالقوة، ودولة ترى أن صمودها خلال عقود من العقوبات والضغوط والحصار منحها الحق في التمسك بثوابتها وعدم التراجع عنها. فواشنطن التي سخّرت كل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري لإخضاع طهران، تجد نفسها أمام خصم لا يزال يتمسك بخياراته الاستراتيجية ويرفض الانحناء أمام العاصفة.
لقد أثبتت الوقائع أن سياسة "الضغط الأقصى" لم تحقق الأهداف المعلنة لها، بل دفعت إيران إلى تعزيز قدراتها وتثبيت موقعها لاعباً أساسياً في معادلات المنطقة. كما أظهرت أن لغة التهديد تفقد الكثير من فعاليتها عندما تواجه إرادة سياسية ترى في التراجع مساساً بالسيادة والكرامة الوطنية.
من هنا، تبرز جملة من الأسئلة المفصلية التي ستحدد اتجاه المرحلة المقبلة:
لماذا عاد ترامب إلى التهديد والوعيد في لحظة كانت المفاوضات تقترب فيها من تحقيق اختراق مهم؟ هل هو تكتيك تفاوضي لرفع سقف المكاسب، أم انعكاس لصراعات داخلية وضغوط سياسية تدفعه إلى التشدد؟
هل يستطيع ترامب التراجع أو تقديم صيغة اعتذار تحفظ ماء الوجه للطرفين، أم أن شخصيته السياسية القائمة على استعراض القوة ستمنعه من اتخاذ خطوة كهذه؟
هل تتمسك إيران بشرط الاعتذار باعتباره اختباراً للجدية الأميركية، أم أنها ستقبل لاحقاً بتسوية تحفظ المبادئ وتعيد إطلاق المفاوضات من دون شروط شكلية؟
ما هو مصير الوساطة التي تقودها الأطراف الراعية؟ وهل ينجح الوسطاء في إعادة بناء الجسور التي هدمتها التصريحات النارية، أم أن المفاوضات ستدخل نفقاً جديداً من التعقيد والتجميد؟
المؤكد أن مستقبل المفاوضات بات معلقاً بين منطقين متناقضين: منطق القوة الذي يحاول فرض الوقائع عبر التهديد، ومنطق الصمود الذي يرفض الخضوع لأي إملاءات خارجية. وبين هذين المنطقين، تقف سويسرا شاهدة على مواجهة سياسية مفتوحة، قد تفضي إلى تفاهم تاريخي إذا انتصرت لغة العقل، أو إلى مزيد من التصعيد إذا استمر الرهان على كسر إرادة الطرف الآخر.
وفي جميع الأحوال، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تُحسم بالخطابات المرتفعة ولا بالاستعراضات الإعلامية، بل بمدى قدرة الأطراف على الانتقال من سياسة حافة الهاوية إلى سياسة صناعة التسويات.
أمريكا.. المقاول الحصري للسياسة والحرب في الشرق الأوسط _ د. نسيب حطيط
إيران انتزعت مفتاح الشرق الأوسط وأوصدت أبواب العدوان _ أمين أبوراشد
وقف إطلاق النار الذي طلبته "إسرائيل"... والخطط البديلة ضد المقاومة _ د. نسيب حطيط