الثبات ـ لبنان
"الأربعاء الأسود" -لأننا لسنا أرقاما عابرة في أرشيف الأيام، أكتب.
يومٌ بدأت حكايته حين قرّر فيه قادةُ العالم المتحضّر الإنساني الذي يخاف على مستقبل حياة السلاحف أن يسحق فيه وجوهنا لتُعلَّق على جدار الإحصاء أرقاماً باردة: نحو 500 شهيد وأكثر من 1000 جريح.
أرقامٌ تُقال بلا ارتجاف، بعد أن كانت أسماءً تُنادى، وبيوتاًكانت تعرف أصحابها واحدًا واحدًا. كأنّ القصف لم يكتفِ بإسقاط الحجر، بل أراد إسقاط المعنى نفسه: أن يُستبدَل الإنسان بعدد، وأن تُمحى السيرة في خانةٍ منسّقة.
لم تكن الجغرافيا حدودًا، بل مساحةً مفتوحة للإبادة؛ لبنان كلّه صار ساحةً واحدة، من الجنوب إلى البقاع، ومن أطراف المدن إلى أحيائها النائمة.
عشر دقائق فقط، تكاثرت السماء بالنار، وتلاحقت الغارات كأنها زمنٌ مضغوطٌ يُلقي بثقله دفعةً واحدة: وطنٌ يُستهدف دفعةً واحدة، وصوتٌ واحد يتكرّر بأشكالٍ مختلفة من الانفجار.
إنّها حرب السّردية.
حين نتحدّث عن الاستعمار، فلا يكفي أن نراه دباباتٍ وحدودًا وأسلاكًا شائكة؛ الاستعمار—كما رآه «إدوارد سعيد»—يبدأ من الحكاية. من الجملة الأولى التي تُقال عنك، من الصورة التي تُرسم لك قبل أن تتكلّم. في كتابه الاستشراق، يفضح سعيد كيف صاغ الغرب “شرقًا” على مقاس خياله، شرقًا ساكنًا، متخلّفًا، بحاجة دائمة إلى من يعرّفه ويُديره. ليست المسألة توصيفًا بريئًا، بل بناء سرديّ كامل: من يملك اللغة، يملك المعنى؛ ومن يملك المعنى، يملك الأرض.
ويأتي «فرانز فانون»، من جبهة الألم، ليقول في كتابه " معذبو الأرض" إنّ المستعمِر لا يكتفي بأن يحتلّ الجغرافيا، بل يقتحم نفس الإنسان، يُربكه، يزرع فيه صورةً مشوّهة عن ذاته، حتى يغدو الغريب مرآته الوحيدة. عند «فانون»،المعركة ليست على الأرض فقط، بل على الوعي: أن ترى نفسك بعيونك، لا بعيون من يريدك ظلًّا.
السردية،
ليست حبرًا… بل سلاح.
حين يكتبونك “رقمًا”، يسرقون اسمك.
وحين يروونك “حالة”، يمحون قصتك.
ولأنّنا لسنا حاشيةً على سردية الغرب الجاهزة، لأننا الحكاية حين تنفلت من قيدها وتعود إلى أصحابها…
أكتب اليوم عن أخي - الشهيد كريم حسين المقهور.
مسعفٌ في الدفاع المدني، لم يكن يمرّ على النار كعابرٍ خائف، بل كمن يعرف أنّ مهمته أن يُبقي للحياة فرصةً وسط كل هذا الانهيار. كان يحمل الإنسانية على كتفيه كما تُحمل الأمانة، وينقلها من مكانٍ إلى آخر، من بيتٍ ينهار إلى روحٍ ما زالت تقاوم البقاء. لا يسأل عن الخطر، بل عن العالقين فيه.
استُشهِد كريم في وضحِ النهار، عند الظهيرة، حين كانت الشمسُ في كبد السماء شاهدةً لا تغضّ الطرف عن الجريمة. في مركزِ الدفاعِ المدني – فرع الهرمل، كان واقفًا كما ينبغي للإنسان أن يقف: أعزلَ إلا من ضميره، وعنيدًا إلا في إنسانيته. كان يؤدي واجبه الذي أبى أن يتخلّى عنه، كأنّه يعرف أن للواجب ثمنًا يُدفع من الدم. فاغتالته إسرائيل في قلب النهار، وادّعت—كعادتها—أن الهدف “عسكري”، كما ادّعت قبل دقائق، وهي تمحو مئات الأرواح في لبنان، أن القتلَ مجرّد تفصيلٍ في بلاغٍ بارد.
كريم، الذي رفض أن يبقى في البيت بعد قصف مركز الضاحية وإخلائه، نهض كأن النداء يخصّه وحده، ومضى إلى الهرمل ليكمل ما بدأه: أن يكون إنسانًا في زمنٍ يتواطأ على قتل الإنسان.
وحين جاء الخبر، لم يكن خبرًا… كان موتًا بطيئًا يتسلّل إلى العائلة، اسمُه في طليعة الشهداء كطعنةٍ أولى لا تكتفي. وكان عليّ أن أحمل ما هو أقسى من الموت: أن أُخبر أخي البعيد، في غربةٍ لا ترحم، أن رفيق طفولته وشبابه قد رحل… وأن صيفهما القادم صار فراغًا، وأن السهرات التي كانت تُؤجَّل للفرح، صارت تُؤجَّل إلى الأبد.
أما التشييع، فكان فصلًا آخر من الحكاية، لا يشبه الوداع بقدر ما يشبه الوقوف على حافة معنى أكبر. كريم، الذي لم يمضِ على زواجه سوى ثلاثة أشهر، مرّ بين الناس كعريسٍ تُزفّه الأرض إلى سمائها. كان النعشُ خفيفًا على الأكتاف وثقيلًا على القلوب، وكأن القاسم يمشي معنا، يمدّ في الخطى معنى لا يُقال. لم يكن المشهد بكاءً فقط، بل مقاومةً مكتومة، وصبرًا يُنتزع من بين أنياب الفقد.
تحوم فوق رؤوسنا طائرات إسرائيل، تتلصّص على انكسارنا. رفعنا رؤوسنا، ومشينا خلف كريم كأننا نقاتل بصمت: نودّعه واقفين، كي لا يرى فينا ما يشتهي من هزيمة.
حين حاولت إحصاء ما نخبر العالم عنه، سألت أصدقاءه والمقربين منه.. أجابني أحدهم " لا نستطيع اختصاره في "عدد" من المواقف. إنّه ( كريم)."
ما استطعت جمعه هو ما سمعته عن أحد رجال المدينة، يروي كيف أنقذ كريم أطفاله من حريقٍ ضخم ثم تعرض لنقص حاد في الاوكسيجين، غير آبهٍ سوى لوجه الله في صدره.
كان يعيش كمن يسبق شهادته إلى العالم.
كأنّه شهيدٌ يتدرّب على لحظة الوصل منذ البداية،
يمشي في الحياة وفي صدره أثرُ نارٍ لم تنطفئ،
لم يستطع صديق أو قريب واحد أن يختصر لكريم مواقفا كريمة عظيمة لا لقلّتها،بل لكثافتها في الذهن..
تختصر زوجة الشهيد بالقول : إن الشهيد قد وصل لشهادته بحسن خلقه، كان يرفض فكرة أن يُختزل أحد إلى ظلّ أو إلى رقم، ويقاوم في سلوكه اليومي كل ما يُشبه الإقصاء،الظلم،النار، يقاوم هذا الاستعمار القائم منذ الأزل على بلادنا، على أسمائنا…
أسماؤنا،هويتنا التي لن يقتلها الرماد ولن تلغيها الأشلاء..
سيكتبون أرقامنا…
ونكتب نحن أسماءنا.
سيعدّوننا..
ونبقى القصة التي كلما حاولوا طمسها،صاح لهم شهيد " أنا الشاهد والتاريخ".
لمى المقهور
باسيل يزور الرئيس بري في عين التينة
النائب حسن عز الدين: التفاوض المباشر مع العدو مرفوض ومدان وعلى السلطة التراجع عنه والعودة إلى شعبها
السفير الأميركي في عين التينة