من القوقاز إلى شمال وغرب افريقيا.. المخابرات التركية تمد مخالبها؟! ـ فادي عيد وهيب

الخميس 30 كانون الثاني , 2020 10:57 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

بعد أن خاضت حربا مريرة ضد القطب الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية أدت الى إستنزاف كامل مواردها ونفوذها خلال حرب باردة حملت كل مراحل تكسير العظام جاء عام 1991 لكي يعلن عن إنهيار الإتحاد السوفيتى وإنتهاء الحقبة السوفيتية، هنا نظرت تركيا الى خريطة دول الإتحاد السوفيتي الذى بدأ يتفكك وأدركت أهمية ملء ذلك الفراغ، خصوصا في الدول المسلمة التى كانت يوما جزءا من أمبراطوريتها كدول كازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان وكرغيزستان، وبعد قدوم حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم فى تركيا، بدأت تركيا الجديدة تتحرك في أتجاهين الأول نحو مناطق نفوذها القديمة في زمن العثمانيين في القوقاز والبلقان، والثاني جاء بدول شمال وغرب أفريقيا ودول الساحل والصحراء (موريتانيا، بوركينا فاسو، مالي، النيجر، تشاد).

كانت تلك الدول انئذٍ فى أشد الحاجة لإعادة تحديثها، وهنا لم تتأخر تركيا تجاه تلك الدولة منطلقة نحوها عبر منظمة خيرية أسمها "وكالة التنسيق والتعاون التركية" المعروفة بأسم "تيكا" وهي المنظمة التى تم الإعلان عن تأسيسها فى صباح يوم 24 يناير/كانون الثاني 1992 للعمل على التعاون فى مجالات التنمية والأقتصاد والتعليم والإعلام والثقافة وتقارب الشعوب والمجتمعات وكل ما يندرج تحت مسمى "التعاون الناعم".

وقد أستمرت في البداية وكالة "تيكا" تصب كل أهتمامها وتركيزها تجاه دول أسيا الوسطى فقط، الى أن جاء حزب العدالة والتنمية الى سدة المشهد السياسي وتوليه زمام الأمور بتركيا فكانت نظرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورفاقه الى وكالة التنسيق والتعاون ودائره عملها مختلفة تماما لنظرة المؤسسين للوكالة، فتم توسيع دائرة نفوذ وعمل الوكالة كي تشمل جميع الدول الإسلامية ودول الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى جانب دائرتها الأساسية بدول أسيا الوسطى والقوقاز.

وهنا كان القدر يحضر لنا شخصا أخر شديد التأثير فى المشهد التركي الحالي بل ولا نبالغ لو قلنا وفى الشرق الأوسط برمته بعد أن كتبت أولى خطواته بالساحة السياسية بتوليه منصب مدير وكالة التنسيق والتعاون التركية في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية وهو هاكان فيدان (الذي يشغل اليوم منصب مدير المخابرات التركية)، بعد أن قام الرقيب في القوات المسلحة التركية في عام 1999 بتحضير بحث الماجيستير بعنوان "مقارنة بين نظام الإستخبارات الأميركي والبريطاني والتركي".

وأشار فيدان في ذلك البحث إلى حاجة تركيا الضرورية لشبكة إستخبارات خارجية قوية تمتلك القدرة على الإنتشار فى كل أرجاء المعمورة تعتمد على عدد ضخم من عناصر عالية التدريب، فحمل عام 2003 الذى تولى فيه هاكان فيدان منصب مدير وكالة التنسيق والتعاون التركية "تيكا" تغيرا كاملا لملامح عمل الوكالة ودوائر نشاطها ونفوذها، فبات عمل الوكالة يشمل جميع الدول الإسلامية ودول منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، وأصبح عمل الوكالة أكثر تأثيرا من مجرد الإهتمام بأنشاء الطرق والكباري والسدود وأعمال البنية التحتية والمصانع والمدارس والمستشفيات والمساهمة فى المشاريع الخدماتية، والإهتمام بعمليات ترميم المتاحف والأثار مع الإهتمام الخاص بترميم الأثار العثمانية بأى دولة فى العالم، إضافة إلى رفع تقارير دورية مباشرة للحكومة التركية يوضح فيه خط سير العلاقات الخارجية التركية مع الدول التى تعمل بها وكالة التنسيق والتعاون "تيكا" وفقا للخط المبنية على عمل الوكالة وإسلوب القوى الناعمة، وجاء في مقدمة تلك الدول دول شمال وغرب أفريقيا ودول الساحل والصحراء.

وبزيارة هاكان فيدان لتلك الدول وكثرة الإحتكاك والتعامل مع شعوبها وقياداتها عرف جيدا طبيعة وأفكار وعادات وتقاليد شعوب تلك الدول، وهى الدول التى نفذت عليها حكومة حزب العدالة والتنمية فيما بعد سياسة التبشير بالعثمانية، وهو الأمر الذى تتطابق بشكل حرفي مع أفكار أحد أهم منظري العثمانيين الجدد الأ وهو أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء الأسبق والتى برزت أفكاره ورؤيته نحو السياسة الخارجية للدولة التركية عبر كتابه "العمق الإستراتيجي" الذي يتكون من 600 صفحة في عام 2001، أي قبل أن يصل حزب العدالة والتنمية الى الحكم مع نهاية عام 2002 وبداية 2003م، وهو الملقب بفيلسوف العثمانيين الجدد، الذي ناله بعد أن صرح في معسكر حزب العدالة والتنمية (الحزب الحاكم) بمنطقة "قيزلجه حمام" بالعاصمة التركية أنقرة قائلا خلال أجتماعه بنواب الحزب وكوادره "إنهم يقولون علينا إننا "العثمانيون" الجدد، وانا أقول نعم نحن "العثمانيون الجدد".

وكتاب "العمق الإستراتيجي" مكون من ثلاثة أجزاء، الجزء الأول حمل "عنوان الإطار المفاهيم والتاريخ"، بينما حمل الجزء الثاني عنوان "الإستراتيجية المرحلية والسياسات المرتبطة بالمناطق الجغرافية"، والجزء الثالث والأخير حمل عنوان "مجالات التطبيق والوسائل الأستراتيجية والسياسات الأقليمية"، وقد شرح الكتاب بوضوح رؤية أحمد داوود اوغلو تجاه شكل السياسة الخارجية الجديدة التى ستطبقها حكومة حزب العدالة والتنمية تجاه الدول التى كانت يوما تحت النفوذ العثماني، أو الدول التى سيسعى لها العثمانيون الجدد في أفريقيا.

في عام 2010 روجت قناة الجزيرة القطرية لكتاب "العمق الإستراتيجي" على نطاق واسع بعد أن ترجم الكتاب للغة العربية بواسطة الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات بأصدار الطبعة الثانية للنسخة المترجمة للغة العربية فى عام 2011، وهى الفترة التى صدّرت لنا قناة الجزيرة العديد من الأفلام الوثائقية والحلقات النقاشية حول الرئيس التركي وشخصيته، وقتها تصور البعض أنها حلقات عن محمد الفاتح أو الحاجب المنصور محمد بن ابي عامر أو موسي بن نصير.

وتعمل وكالة التنسيق والتعاون التركية "تيكا" من خلال عدة مكاتب تنسيقية لها منتشرة بالعديد من دول العالم أبرزها أفغانستان، البوسنة والهرسك، كيرغيزستان، المجر، رومانيا، منغوليا، ألبانيا، الفليبين، مملكة الجبل الأسود، كوسوفا، مقدونيا، مولدوفيا، أوزبكستان، أذربيجان، كازاخستان، ماينمار، باكستان، بنغلادش، جورجيا، المكسيك، فلسطين، وبالقارة الافريقية متواجدة في كل من مصر، الجزائر، المغرب، ليبيا، النيجر، تشاد، ناميبيا، إثيوبيا، الكاميرون، جيبوتي، كينيا.

ومن المعلوم أن هاكان فيدان مدير المخابرات التركية الحالي أستمر في منصبه كمدير لوكالة التنسيق والتعاون التركية "تيكا" حتى عام 2007 إلى جانب عمله كمستشار لـ أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية وقتها ورئيس الوزراء السابق، فأهمية دول البلقان هي كبوابات خلفية لأنشطة تركيا الإستخباراتية في القارة العجوز، فاليوم تركيا تكرر الأمر عبر أدواتها الإستخبارتية وفى المقدمة وكالة "تيكا" من خلال نشاطها في دول شمال وغرب أفريقيا ودول الساحل والصحراء، ولا يخفي على أحد ما طرأ من تطورات على الصومال، وهو ما أنعكس في إنحيازها لتركيا فى أجتماع جامعة الدول العربية الأخير إلى جانب قطر خلال إنعقادها لبحث العدوان التركي على شمال سورية، ثم الدور التخريبي لتركيا فى غرب ليبيا، وما كانت تحضره للجزائر، وهو ما أستدعى من القيادة العسكرية الجزائرية للرد على تركيا فى أكثر من موقف مؤخرا.

لقد بذلت وكالة "تيكا" جهودا جبارة كمظلة خيرية لنشاط إستخباراتي عند تأسيسها، فلكم أن تتخيلوا حالها اليوم بعد أن صار مديرا تلك الوكالة مديرا على جهاز المخابرات التركية، بينما السؤال الذى يطرح نفسه الأن، هو كيف سيكون الوضع مستقبلا بدول شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء في ظل التغلغل المخابراتي التركي هناك، وهل ستنجح تركيا في تنفيذ مخططها بتلك المناطق الإستراتيجية بالقارة السمراء كما نجحت بدول القوقاز والبلقان.

أخيراً فإفريقيا لم تعد مسرحا يقتصر الصراع فيه على المستعمرين القدامي والجدد فقط، بل تنافسها دول أقليمية بات لها يد طولى بالقارة السمراء، وما طرح كان أبرز أدوات الحضور التركي في القارة السمراء، وهي الاداة التى يفعِّلها الأن أردوغان بشكل مباشر عبر جولته الأفريقية الحالية لكل من دول تونس والجزائر وجامبيا والسنغال.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل