كيف وصل الحوت "الإسرائيلي" لمياه إريتريا ـ فادي عيد وهيب

الخميس 06 شباط , 2020 09:53 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

في الشهور الأولى من ولادة الكيان في منطقة الشرق الأوسط،الذى ظهر كنبت شيطاني، قال مؤسس دولة "إسرائيل" ديفيد بن جوريون "أننا محاصرون من البر، والبحر هو طريق المرور الوحيد إلى العالم والإتصال بالقارات، وأن تطور ميناء إيلات سيكون هدفا رئيسيا ستتجه إليه خطواتنا فى المستقبل."

استشعرت مصر حينها الخطر فقامت بالتعاون مع السعودية عام 1950م بالتحكم فى عدة جزر ذات أهمية استراتيجية وهما جزيرتا تيران وصنافير، مما جعل مدخل خليج العقبة تحت السيطرة العسكرية المصرية، والهدف من ذلك كان تقييد حركة الملاحة الإسرائيلية، وكان ذلك احد الأسباب للعداون الثلاثى على مصر عام 1956م.

منذ ذلك الحين عرفت الدول العربية الأهمية الأستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، حتى أنه في أواسط سبعينيات القرن الماضي قدمت اليمن لجامعة الدول العربية ملفا يشمل التحركات الإسرائيلية فى البحر الأحمر وبالتحديد على الساحل الإريتري وبقرب باب المندب.

في عام 1990م زار وفد "إسرائيلي" العاصمة الإريترية أسمرة برئاسة شئول شيه أحد كبار مساعدي اسحاق شامير لجس نبض الجانب الارتيري تجاه "إسرائيل"، وبعد أجتماعات طويلة ودراسات عديدة بتل أبيب، ناقش الكنيست الإسرائيلى خلال جلسة سرية أستمرت لمدة 5 ساعات فى يوم 16 مارس/ آذار 1992 كيفية التغلغل داخل إريتريا، وتطبيع العلاقات مع دول شرق أفريقيا، وكيفية مواجهه النفوذ المصري والعربي هناك وفى كل من نيجيريا وزامبيا وكينيا وموزمبيق وتوجو.

بعدها نزلت تل أبيب بثقلها في منطقة القرن الأفريقي، وقدمت الدعم لجناح أسياس أفورفي وتمكينه من حكم إريتريا، ثم بدأت المنح من دولة الإحتلال الصهيوني تنهال على طلاب إريتريا وبدأت الأستثمارات تتوسع، والمساعدات العسكرية تطرح على الجانب الإريتري دون أن يطلبها، سواء بأرسال الخبراء والإستشاريين أو السلاح، كما تم تبادل الزيارات الإعلامية والثقافية الى أن بدأت ملامح سواحل إريتريا تتحول الى ملامح إيلات.

لم تكتف "إسرائيل" بالسيطرة الأقتصادية والعسكرية فقط، بل تواصلت بشكل مكثف مع النخب السياسية والأجتماعية والفكرية فى إريتريا، وقدمت لهم كل أشكال الدعم أو بالأدق كل أنواع الرشاوى، وفي يوم 13 فبراير/ شباط عام 1993م زار وفد عسكرى وأقتصادى "إسرائيلي" رفيع المستوى العاصمة أسمرة فى زيارة أستمرت خمسة أيام، كي تمهد تلك الزيارة لتوقيع الجانبين على أتفاقيات رسمية، وفي شهر مارس/ آذار من نفس العام وقع في تل أبيب كل من إسحاق رابين وأسياس أفورفي الاتفاقيات، حيث تلزم تلك الإتفاقيات تزويد تل أبيب أسمرة بخبراء زراعيين وعسكريين، وتقديم المساعدات فى أقامة مشاريع البنى التحتية مقابل السماح بالوجود العسكري "الإسرائيلي" على سواحل إريتريا، وحرية التحرك لعناصر الموساد على أرض إريتريا، وتأجيل أنضمام إريتريا الى جامعة الدول العربية إلى أجل غير مسمى، وهو نفس السيناريو الذي كررته إسرائيل مع جنوب السودان،  فكان تلاقي وتبادل المصالح والاطماع، إذ أنه كما ترغب إريتريا بأستخدام ورقة إسرائيل وعلاقاتها بواشنطن للتحرك ضد أثيوبيا، استخدمت "إسرائيل" ورقة إريتريا للي ذراع أثيوبيا وقت أن تريد، وطبعا كانت "إسرائيل" تستخدم إريتريا لتقويض ومحاصرة التحرك العربى نحو القارة الأفريقية والبحر الأحمر.

ما إن حصلت إريتريا على إستقلالها من أثيوبيا عام 1993م حتى كانت "إسرائيل" من أول الدول التي أقامت معها علاقات عسكرية وأمنية وأقتصادية، وتقيم إسرائيل أكبر قاعدة بحرية عسكرية خارج أراضيها في جزيرة دهلك التي تعد من أكبر وأهم الجزر الإريترية، وهي عبارة عن أرخبيل من الجزر المتناثرة وأكبرها هي" دهلك الكبير" التي تبلغ مساحته 185 كم2، كما تم أنشاء عشرات الشركات "الإسرائيلية" التي تعمل تحت غطاء شركات أوروبية فى مجالات الأمن والأدوية والتنقيب ومناجم الماس والزراعة والتجارة، إلى جانب تواجد عددً ضخم من كبار الضباط "الإسرائيليين" لتدريب وحدات الجيش والشرطة وكذلك القوات الخاصة الاريترية.

كما أن لجمعية "الصداقة الإسرائيلية ـ الإفريقية" دور كبير فى أرتفاع حجم النشاط بين تل أبيب وأسمرة كما ذكر مستشار الجمعية عدى برونشتاين.

الجدير بالذكر أن تل أبيب تقيم علاقات دبلوماسية مع 46 دولة أفريقية من مجموع دول القارة البالغ عددها 53 دولة، منها 11 دولة بتمثيل مقيم بدرجة سفير وسفارة، و33 بتمثيل غير مقيم .

أخيراً وليس آخراً اذا كانت تلك أستراتيجية "إسرائيل" تجاة المياه الأقليمية منذ عقود، فلكم أن تتخيلوا كيف صارت الأن فى ظل الأستراتيجية التى اتبعها موشيه يعالون وزير جيش الإحتلال الأسبق المسماه بأستراتيجية "الحوت".

أستراتيجية "الحوت" التى أعلن عنها قائد البحرية الأسبق يافي يعري فى نهاية تسعينيات القرن الماضي، وصارت تتطبق الأن بشكل فعلي، تعتمد بشكل كبير على السلاح البحرى لجيش الإحتلال "الإسرائيلي" لمد نفوذ الدولة العبرية في البحار والمحيطات وتجاوز المياه الأقليمية وعدم الأكتفاء بالأنتشار فى البحر الأحمر والمتوسط فقط، وهو الحوت الإسرائيلى الذى أتخذ من دهلك وأرخبيل أريتريا ملاذا آمنا ونقطة أنطلاق قوية تجاه مضيق باب المندب وبحر العرب.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل