حكم «القناصل» يخنق «لبنان الكبير»!

الإثنين 23 كانون الأول , 2019 04:59 توقيت بيروت مقالات مختارة

مقالات مختارة

التأثير الخارجي على الطوائف في لبنان يعودُ الى بدايات القرن التاسع عشر بموازاة تراجع الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على المنطقة بكاملها في تلك المرحلة.

اللافت هنا أن هذا التأثير أصبح نمطاً عادياً ربط كامل الطوائف بمراكزها الكبرى المتشابهة معها مذهبياً، فالموارنة والكاثوليك تعلّقوا بفرنسا والسنة بتركيا والأرثوذكس بروسيا القيصرية والشيعة بإيران الشاهنشاهية، لكن الدروز لم يجدوا شبيهاً دينياً لهم فاستفادوا من الصراع الفرنسي – الانجليزي التركي وشبكوا مع بريطانيا.

وكان طبيعياً أن يستمدّ الداخل قوته من الخارج.

وبما ان فرنسا وانجلتره خرجتا منتصرتين فكان من المنطقي أن يكون للموارنة الدور الأكبر في قيادة النظام السياسي، مع المحافظة على دور للدروز يتلاءم مع حجمهم السكاني، وبما أن هناك حاجة فرنسية مارونية لتمثيل الطائفة الأكثر تشابهاً مع العالمين العربي – الإسلامي، فكان السنة شركاء للموارنة في الحكم إنما بدرجات منخفضة.

لكن الشيعة عكسوا هزيمة إيران في المنطقة، ما أدى الى تهميشهم كديموغرافيا غير مدعومة بالسياسة.

وهذا ينطبق ايضاً على الأرثوذكس الذين لم يتجذّروا في السياسة اللبنانية، لأن حاميهم الروسي لم يكن قوياً في تلك المرحلة كما أن عددهم ليس كبيراً.

من خلال هذه التقاطعات نشأ لبنان محكوماً من معادلة ثلاثية تبدأ بـ»القناصل» وهم الفرنسيون أولاً «وقيادات الطوائف» المحلية المرتبطة بهم و»المصارف» المسيطرة على النظام الاقتصادي وتأثيرها على الدولة والمجتمع.

لقد استمرت هذه المعادلة مع تطوّر كان يقلب الأدوار بسبب نمو خبرة السياسيين المحليين في ادارة الدولة حتى اصبحت المعادلة الحاكمة تبدأ بقيادات الطوائف وهم الموارنة وحلفاؤهم والمصارف بالدرجة الثانية مقابل مراقبة دقيقة من القناصل الذين أصبحوا «سفراء» لحركة السياسة الداخلية وتجسيداتها الخارجية.

هذه المعادلة ظلت راسخة مع تغيير بأسماء التغطيات الخارجية تجسيداً للتغيير في حركة القوة العالمية. فالأميركيون ورثوا الفرنسيين فيما ناب الخليج ومصر وسورية عن تركيا، ولأن إيران ظلت ضعيفة فتشابه شيعة لبنان معها.

لذلك اقتصر التغيير على مواقع المسيطرين على المعادلة وليس على شكلها، بما يعكس مدى السيطرة الخارجية على لبنان.

هناك تغيير أدّى الى استنفار معادلة القناصل، متجسّداً بصعود أدوار الأحزاب الوطنية والقومية، التي لا ترتبط بالقناصل بل بمشروع سياسي يريد تغيير النظام الطائفي، وتلا هذه المرحلة صعود كبير لدور وطني لحزب الله ابتدأ بقتال شديد ضد الكيان الإسرائيلي الذي كان يحتلّ جنوب لبنان.

لقد تطور هذا الدور الى إقليمي حارب الإرهاب مباشرة في سورية ولبنان أو عبر تحالفاته في العراق واليمن، ما جعل الحزب متمكناً من دوريه المحلي والإقليمي.

وهذا استنفر معادلة «القناصل» التي أرادت مجابهة المعادلة الجديدة التي أرساها النهج الجهادي للحزب على أساس التكامل بين الشعب ومعه سلطاته والجيش والمقاومة.

لقد أنتج هذا الوضع صراعاً كبيراً بين ثلاثية التأسيس اللبناني بالقناصل والطوائف والمصارف وثلاثية الحزب التي تريد فتح الطريق لتأسيس لبنان المستقل الجديد، هذا الصراع الذي يتمظهر اليوم بالتحالف بين قوى طائفية لا تزال تشكل محور معادلة القناصل وهي أحزاب المستقبل (الخليجي الأميركي الفرنسي) والاشتراكي (الأميركي الخليجي) والقوات (الأميركية الخليجية) والكتائب (الأميركية الفرنسية) وصاحب الفكر الذي غطّى الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

بالمقابل فإن القوى المشكلة لمعادلة الجيش والشعب والمقاومة، تعطي الأولوية لقوى الداخل في الإمساك بالنظام السياسي اللبناني مع تحالفات مع قوى إقليمية ودولية تمتاز بأنها تجابه المشروع الأميركي الكبير بالاستمرار في السيطرة على الشرق الأوسط والعالم بأسره.

إن ميزة هذه القوى تبدأ من محاولات تأسيس ادارة لبنانية داخلية لها طابع وطني يتعامل مع الخارج على اساس التحالف لأعلى مستوى التبعية، وتسعى لإلغاء حكم القناصل التقليدي الذي يصبح فيه «مساعد معاون» وزير الخارجية الأميركي دافيد هيل سلطاناً يجول على رؤساء لبنان والوزراء وقيادات الأحزاب الموالية لسياسات بلاده، وكأنه يتنزه في حدائق نيويورك. وبدورهما سفير السعودية والإمارات يودعان ويستقبلان سياسيي لبنان وكأنهما في بلديهما، أليس فاضحاً أن يمتنع الحزب الجنبلاطي عن المشاركة في استشارات تشكيل حكومة لبنان ويستقبل رئيسه تيمور وملهمه الوزير جنبلاط مع جوقة نوابهم، المعاون الأميركي ليلاً.

للإشارة فقط فإن هيل خصّ بزيارته غير الرسمية أحزاب الكتائب والقوات والمستقبل والاشتراكي والنائبين معوّض والجميل.

حتى أن وزير الخارجية جبران باسيل أقام على شرفه وليمة ليليّة عامرة.

وكيف لا وهو معاون مساعد وزير الخارجية الأميركية؟

لبنان اذاً، في قتال بمختلف أنواع الاسلحة البيضاء والحربية بين هاتين المعادلتين وبناء على نتائجه تظهر صورة لبنان الجديد، بما يعني أن المتمسكين بسعد الحريري رئيساً لحكومة لبنان يستخدمون الشارع المُحشود طائفياً للمحافظة على معادلة القناصل ويخشون على «اتفاق الدوحة» الذي توغّل في إنتاج تحاصصات مذهبية على أساس إنتاج إمارات متحالفة دستورياً.

لذلك فهم يخافون على حكم الطوائف ولا يريدون العبور نحو الوطنية كحال التطوّر الذي أصاب تاريخياً معظم دول العالم.أين الحل اذا؟ ليس في الاقتتال الأهلي، بل في تسهيل حكومة مستقلة يشكلها الرئيس المكلف حسان دياب والامتناع عن مقابلة الشارع بالشارع. وهذا أمر مشكور تطبّقه أحزاب التيار الوطني الحر وحركة أمل وحزب الله والأحزاب الوطنية، فالمطلوب اولاً احتواء الانهيار الاقتصادي وإدارة سياسية معتدلة على أن يكون هذا الحل مقدّمة لعودة الدولة الى مزاولة اعمالها بحكم رشيد، يؤسس في مراحل لاحقة للبنان الجديد الذي يحتاج الى مؤتمر تأسيسي ينزع منه معادلة القناصل لمصلحة معادلة لبنان لكل مواطنيه وليس لكل طوائفه.

 

د. وفيق إبراهيم ـ البناء


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل