لغز الفرسان الثلاثة في السعودية - نبيه البرجي

الأربعاء 17 تموز , 2019 01:51 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

   بكل ما أوتينا من سذاجة، نسأل عن الغاية من دعوة رؤساء الحكومة السابقين، وفي هذا الوقت بالذات، لزيارة المملكة؟

   الاستقطاب السياسي، كما لو أنه لا يكفي التصدع البنيوي الذي تعاني منه الجمهورية، أم الاستقطاب المذهبي الذي هو سبب الاعتلال الحضاري، والاعتلال الاستراتيجي، وحتى الاعتلال الأخلاقي الذي مضى بنا الى قاع الأمم بل والى قاع الأزمنة؟

   ثمة رئيس حكومة في لبنان. هو كبير أهل السنّة. ولقد جيء به وريثاً لأبيه باشارة من اصبع الملك عبدالله بن عبد العزيز، الا اذا كان العهد الحالي يتوخى ازالة كل مظاهر العهد البائد، كما في أدبيات الانقلابات العسكرية. هنا... الانقلابات القبلية !

   بعيداً عن الديباجة الملكية في الثناء التقليدي على الرئيس سعد الحريري، لا يمكن للزيارة الا أن تكون تجاوزاً له، أو موجهة ضده. ضد طريقته في الحكم، وفي عقد التسويات، وفي علاقاته مع المكونات الأخرى في البلاد.

   ألا يفترض أن يكون الزائر رئيس الحكومة ليبشرنا بالمن والسلوى الذي بشرنا به الفرسان الثلاثة، وقد تأخر كثيراً وصول المن والسلوى الذي وعدنا به منذ عام، لكأنه آت على ظهر النوق؟

   لا نظن أن الرئيسين نجيب ميقاتي وتمام سلام يتقنان اللعب وراء الستار. الرئيس فؤاد السنيورة نموذج آخر. ذهب الى الرياض ليقول من هناك ان "ايران تحاول أن تجعل من لبنان كيس رمل تختبئ وراءه ".

   كلبنانيين، اذ لا ننفي الهاجس الجيوبوليتيكي لدى آيات الله ونتصدى له، لا ننسى، قطعاً، أن ايران آزرتنا، الى أبعد الحدود، في دحر الاحتلال، ووقفت الى جانب سوريا في التصدي للمغول الجدد بعدما ذهب الأشقاء بعيداً ان في التواطؤ أو في الغيبوبة.

   الرئيس السنيورة يدرك أن "حزب الله" لا يمكن أن يقبل بأن يكون لبنان كيس الرمل. هو من أرسى معادلة توازن الرعب مع ذلك الكيان الذي لا حدود لغطرسته التوراتية، ولا لغطرسته الدموية. هو العاشق للتراب اللبناني والا ما كان ليقدم آلاف القرابين في وجه تلك الجحافل الزاحفة من اقاصي الجحيم.

   قال في الرياض "نحتاج الى ايجاد المسافة الصحيحة بين الدولة اللبنانية و"حزب الله". هل المملكة هي المرجع الصالح لصياغة تلك المسافة، وهي التي صنّفت الحزب منظمة ارهابية؟

   المسافة الصحيحة أم العلاقة الصحيحة؟ هذا كلام رجل الدولة أم كلام رجل الخندق؟ رجل الدولة لا يصنع المسافات مع اي فريق آخر على أرض الدولة. يصنع العلاقات. كنا نتمنى لو أن الرئيس السنيورة قرأ، وهو القارئ الشره، تجربة جورج كليمنصو في الحكم ليعلم ما هي مواصفات رجل الدولة حين تكون الدولة على تخوم الهاوية...

   بالخط الأحمر (الأحمر بالخط العريض)،  دعوة الثلاثي، دون الرئيس سليم الحص، الى الرياض، طعنة في صدر الرئيس الحريري لا في ظهره فحسب. الرجل يعلم، ونحن نعلم، أن هناك في البلاط من حاول اخراجه، بالقبضات الحديدية (وبالقضبان الحديدية) من السرايا. الآن يحاول اخراجه بالقفازات الحريرية، وبتحويل الكرسي الذي يجلس عليه الى الكرسي الكهربائي.

   الملك سلمان بن عبد العزيز قال "ما يمس أهل السنّة في لبنان يمسنا في المملكة". نعلم أن خادم الحرمين الشريفين شخصية متزنة، وارتبطت بمنظومة من العلاقات العابرة للطوائف، والعابرة للحدود. هذا الكلام لا يمكن ان يكون كلاماً ملكياً. ما الأمر...؟

   بعدما وصل هذا الكلام الى من يفترض ان يصل اليه، جرى "تصحيحه" ليغدو "ما يمس لبنان يمسنا".

   نعلم ان الرياض غاضبة من حليف لبناني مسيحي لأنه عارض توطين اللاجئين الفلسطينيين، وهو الأساس الفلسفي للسيناريو الخاص بـ"صفقة القرن". الحليف الذي استشعر أهوال الصفقة قال انها ولدت ميتة، رافضاً أي ثمن في مقابل الغاء الصيغة اللبنانية التي هي الغاء للبنان. هل كانت الزيارة للاستقطاب المذهبي، بالتالي تغطية للآتي، مع يقيننا بأن بين ضيوف المملكة من هو ضنين بالتوازنات اللبنانية لأنها اللحظة السحرية في بقاء الجمهورية.

   ثامر السبهان لم يشارك في اللقاءات. قد يكون داخل الجدران. يحق للمملكة ان تدعو من تدعو، وهي "مملكة الخير"، و"مملكة المكرمات". في هذه الظروف، لا المنطقة تتحمل تشققات اضافية ولا لبنان بحاجة الى المزيد من الانكسارات الداخلية، في حين أن الوضع الاقتصادي، ومعه الوضع المالي، في غرفة العناية الفائقة.

   لن يصل بنا سؤ النوايا الى القول أن هناك في المملكة من يحاول توظيف الأزمة الاقتصادية، والازمة المالية، الخطيرة التي يواجهها لبنان، في أغراض سياسية تخدم المملكة التي سبق وتراجعت عن منحة الثلاثة مليارات دولار الى الجيش اللبناني، وأوقفت أي مساعدات باستثناء... السلال الرمضانية.

   ألا يفترض ان يكون الغرض السياسي، قطرياً وسعودياً، بقاء لبنان بذاته؟ هو النموذج في التنوع، وفي التفاعل بين الثقافات، وبين الديانات، بالرغم من كل الرياح الصفراء التي طالما دقت على بابه؟

   نعلم أن المملكة، وهي الدولة الشقيقة، أمام أزمة كبرى. في كل مكان كلام عن "ذلك الدجال دونالد ترامب"، وعن "تخلي الجميع عنا في حربنا في اليمن". هل كان البلاط بحاجة الى نجيب ميقاتي وتمام سلام وفؤاد السنيورة لانقاذه من عثراته؟ ولماذا، في هذا الوقت بالذات، ارتفع الاهتمام بلبنان الذي تكاد الطبقة السياسية فيه تحوّله الى حطام؟

   نرفض أن يكون لبنان الورقة التكتيكية في الحلقة ما قبل الأخيرة من الصراع العبثي في اليمن، أكان ذلك لمصلحة السعوديين أم لمصلحة الايرانيين. هذا لا ينفي اننا، حتى الساعة، أمام ذلك اللغز : لماذا دعي الفرسان الثلاثة الى المملكة؟!


مقالات وأخبار مرتبطة
بَعد أن أدوا منَاسِك الحَج  يُكحلون عيُونهم بزيَارة  رَوضة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
سيشاهد العالم البث المباشر لتدمير ألوية «العدو»
تهويد.. هدم.. تهجير..  وتبقى القدس عاصمة الجغرافية  الفلسطينية
"إرهاب الدولة" يحاصر السعودية ويهدد مستقبلها

عاجل