الفساد سياسة فاقمتها الإستدانة ـ عدنان الساحلي

الجمعة 08 آذار , 2019 09:57 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

إشتهرت في أواسط ستينيات القرن الماضي أغنية للمونولوجيست اللبنانية الراحلة فريال كريم، تقول في مطلعها بتصرف: "شو القصة يا أم أخبار، بين المر والنجار، غلطانين بكم مليون، براديو أوريان والمطار". وكانت تشير إلى خلاف بين وزير للإتصالات ومتعهد حول أشغال طالت شركة "راديو أوريان"، التي بات اسمها "هيئة أوجيرو" عام 1972 حيث كلفت الأخيرة باستثمارها وإدارتها. كما طالت مطار بيروت الدولي، الذي كلما تعرض لعملية ترميم وتحسين أو توسيع، تلبدت اجواءه بالفضائح والصفقات والسرقات.

والحديث في لبنان عن الفساد، يقصد به هدر المال العام وسرقته أثناء تنفيذ المشاريع والصفقات التي تديرها الوزارات والادارات المعنية، أكثر مما يقصد به أي منحى آخر من أبواب الفساد. كما أن سرقة المال العام والرشوة والتعامل مع إدارات الدولة باعتبارها مزارع لهذا الزعيم أو ذلك المتنفذ، هي حالة رافقت ولادة النظام اللبناني ولم تفارقه. حتى أن لكل حقبة لبنانية فسادها، بما فيه العهد الإستقلالي برئاسة بشارة الخوري، الذي اشتهر بفساد شقيقه سليم الخوري الذي لقب ب"السلطان سليم". أما الرئيس فؤاد شهاب فقد حاول التصدي للفاسدين ووصف الساسة اللبنانيين ب "أكلة الجبنة"، أي جبنة الحكم.

 إلا أن هذا الفساد المعروف في ذلك الوقت، لم يصل إلى حد المسّ بالميزانية العامة ولا بالليرة اللبنانية وقدرتها الشرائية، حيث كان الدولار الأميركي في أواخر ستينيات القرن الماضي يوازي تسعين قرشاً لبنانياً، فيما كانت الليرة السورية تساوي أربعين قرشاً. وكان مصرف لبنان يحتفظ بفائض من العملة الصعبة، إلى أن حل عهد الرئيس أمين الجميل الذي استعمل هذا الفائض في شراء أسلحة أميركية وفي تمويل التدخل الأميركي في لبنان، عام 1983، حيث شاعت أخبار الصفقات والسمسرات على شاكلة فضيحة صفقة طائرات ال"بوما" الشهيرة؛ وقبلها في عهد شارل الحلو كانت فضيحة صفقة صواريخ "كروتال" الفرنسية، لكن الدين العام بقي رغم الحرب الآهلية، أقل من مليار دولار في بداية التسعينيات. أما سعر الليرة فأصبح ست ليرات لكل دولار واحد.

عصر الإستدانة القاهرة بدأ مع تسلم الرئيس رفيق الحريري رئاسة الحكومة، بعد إتفاق الطائف. حيث يسجل للنائبين السابقين نجاح واكيم وزاهر الخطيب تفردهما في التصدي لسياسة الإستدانة التي أعتمدها الحريري وسط تواطؤ الكثيرين، حتى أن شراء سندات الخزينة لتمويل المشاريع الفاشلة، كان يتم بفوائد فلكية بلغت أحيانا أربعين في المائة. وكان أصحاب المصارف وشركائهم أبرز المستفيدين من هذه السياسة، إذ أن مجموع رساميل أصحاب المصارف عام 1992 لم يكن يتعدى ثلاثمائة مليون دولار. في حين باتت اليوم تفوق السبعة وعشرين مليار دولار، بعد أن وزعوا أرباحا طوال السنوات الماضية.

كان إفقار لبنان سياسة اعتمدت لتحقيق الثراء لحكام لبنان وحاشياتهم. وكذلك لجر البلد للإنخراط في مشاريع الصلح والتطبيع مع العدو "الإسرائيلي". وفي هذا السياق تأتي المعلومات الخطيرة التي أعلنها المدير العام لوزارة المال آلان بيفاني. كما يأتي في السياق ذاته إعلان مؤسسة بحثية لبنانية أن الهدر في استيراد مادة "الفيول" وحدها، يبلغ مائتي مليون دولار سنوياً، أي أكثر من خمسة مليارات دولار خلال 25 سنة من عمر أزمة الكهرباء في لبنان، التي سببت لوحدها بأربعين مليار دولار ديناً على مدى الأزمة.  

من هنا تقول أوساط متابعة، خيراً فعل "حزب الله" في دخوله الواضح معركة التصدي للفساد الحاصل في إدارة الدولة، فالمشكلة ليست فقط في الفاسدين، بل في تلكؤ من يدعي مكافحة الفساد، من زعماء ونواب وأحزاب. وفتح الملفات الكبرى سيقفل أبواب التراجع أو المساومة أمام من تعود نقد الفاسدين ثم مشاركتهم في فسادهم. 

 


مقالات وأخبار مرتبطة
يَا شَعب السُودَان..احذروا ريَاح الفتْنَة الخليجيّة
من أقوال الشيخ عبدالناصر جبري رضوان الله عليه:
اللاجئون الفلسطينيون.. أصل الحكاية ومفتاح العودة

عاجل