السودان.. صيف ساخن ينتظر سلة غذاء العرب منذ سنة

الثلاثاء 12 شباط , 2019 11:57 توقيت بيروت مقالات مختارة

الثبات ـ مقالات

للعام الثاني وليس الشهر الثاني، فمنذ العام 2018، تأتي السودان بمظاهرات وإحتجاجات شعبية، وموجة اعتقالات في عدد من مدن السودان كرد فعل شعبي، ويخرج المواطنون على مدى أيام متتالية تطورت لشهور وسنوات، بين مدن ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة احتجاجاً على زيادة أسعار الخبز. رافعة شعارات تطالب بحقوق المواطنين. وكذلك شهدت احياء متعددة من العاصمة الخرطوم ومدن كوستي والدمازين وعطبرة والجنينة مظاهرات متعددة احتجاجاً على ارتفاع ثمن الخبز خلال الأسبوعين الاولين من العام 2018. حينها أصدر والي ولاية غرب دارفور قراراً باغلاق جميع المدارس في الولاية لمدة أسبوع مع قتل القوات الأمنية لاحد الطلاب في مدينة الجنينة باستخدامها الرصاص الحي ضد المتظاهرين.

لقد جاءت الموازنة العامة التي أجازها السودان للعام ٢٠١٨، لتثير ضجة بالغة فاقمت من حالة عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه البلاد. وذلك عندما كشفت الموازنة التي تم ايداعها واجازتها من قبل البرلمان في خمسة ايّام قبل نهاية 2017 عن حجم الأزمة الاقتصادية التي يمر بها السودان نتيجة لاختلال أولويات صرفها. مضت الميزانية حينها في ذات المنوال بتخصيص جُل أوجه صرفها لبنود الأمن والدفاع والمخصصات الرئاسية. ليأتي مجلس الوزراء السوداني بعد موافقته على الموازنة، بالتعلل بأن السودان يأمل نمو اقتصاده بنسبة أربعة بالمئة في عام 2018، وأن الحكومة تستهدف انخفاضاً حاداً في التضخم ليصل إلى 19.5 بالمئة من 34.1 بالمئة. بعد أن كان التضخم قد ارتفع إلى مستويات قياسية بنهاية العام 2017، بفعل انخفاض قيمة العملة.

نعم يعاني الاقتصاد السوداني منذ أن انفصل الجنوب عام 2011 آخذاً معه ثلاثة أرباع إنتاج البلاد من النفط، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة ودخل الحكومة. وتراجع الجنيه السوداني، المستقر سعره الرسمي عند 6.7 جنيه للدولار نهاية العام 2017، بشكل مطرد في السوق السوداء إلى أكثر من ثلاثة أمثال هذا الرقم بعد أن رفعت الولايات المتحدة حظراً تجارياً امتد 20 عاماً. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، قالت الحكومة إنها ستتخذ إجراءات جديدة لتوحيد أسعار صرف الجنيه السوداني بحلول 2018، لكنها استبعدت احتمال تحرير سعر الصرف.

لقد بلغ حجم الدين الخارجي 54.1 مليار دولار في عام 2017 و56.5 مليار دولار في عام 2018 وفق ما جاء في تقرير لصندوق النقد الدولي من ديسمبر/ كانون الأول 2017. لكن السودان كان يأمل في تقليص العجز في ميزانه التجاري في عام 2018 إلى 2.2 مليار دولار انخفاضاً من عجز متوقع قدره 2.7 مليار دولار في عام 2017. فالموازنة استهدفت خفض الإنفاق الحكومي لكنها لا تنص على أي زيادة في الضرائب خلال هذا العام مع استمرار مكافحة التهرب الضريبي.

الواقع أن الموازنات تكشف عن الاختلال الهيكلي في الاقتصاد السوداني الذي يعاني من امراض الفساد المستشري وسوء الادارة واختلال توزيع الاولويات، وهو ما أدى إلى عدم الاستفادة من رفع العقوبات الاقتصادية التي كانت تفرضها الولايات المتحدة على الحكومة السودانية. سبق أن جاءت حزمة إجراءات اقتصادية مماثلة أعلنتها الحكومة السودانية في أيلول/ سبتمبر 2013، وإن أشعلت موجة من الاحتجاجات الجماهيرية قمعتها الحكومة باستخدام العنف المفرط الذي كانت نتيجته مقتل أكثر من 200 من المتظاهرين السلميين في الشوارع نتيجة لاستخدام الطلقات النارية من قبل القوات الأمنية، بالإضافة إلى اعتقال عشرات من القيادات السياسية والجماهيرية لفترات متطاولة.

وسط هذه الأزمات الاقتصادية، كان الدستور السوداني المجاز في ٢٠٠٥، يسمح بترشح الفرد للرئاسة لدورتين فقط، وكان البشير الذي يحكم السودان منذ العام ١٩٨٩، قد ترشح في انتخابات ٢٠١٠ و٢٠١٥ على التوالي، إلا أنه يسعى الآن لضمان ترشيحه في انتخابات ٢٠٢٠ منذ وقت مبكّر، خصوصاً مع تزايد الاستقطاب الداخلي في صفوف حزب المؤتمر الوطني للبحث عن مرشح بديل للبشير.

لم يكن هذا ليحدث بعيداً عن مؤشرات تعديل الدستور، خصوصاً بعد تصريحات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) والتي عبر فيها عن دعمه العلني لإعادة ترشيح البشير لدورة رئاسية ثالثة قائلاً بأن الدستور ليس كتاباً مقدساً وأنه ينبغي تغييره ليسمح بترشيح البشير مرة اخرى، فأعاد ذلك الجدل حول الانتخابات السودانية المقبلة إلى الواجهة بشدة. حيث احتوت تصريحات حميدتي التي خاطب بها تخريج دفعة جديدة من مدرعات قوات الدعم السريع (وهو تطور نوعي اخر في طبيعة هذه المليشيا)، على تحذيرات علنية للعسكريين من التعاطف مع اي دعوات لعدم ترشيح البشير، وهو ما يعكس تحذير مبكّر من حميدتي لقادة الجيش السوداني من أي محاولة للبحث عن مرشح عسكري بديلاً للبشير.

لم يكن النظام ليترك ملف الأمن الخارجي ساكناً، فيعمد النظام إلى زيادة التوتر الإعلامي مع جارته الشمالية مصر،عبر ملف (حلايب وشلاتين)، وذلك للتغطية على تصاعد النقمة الشعبية داخلياً. فتنشرت الصحف السودانية الموالية للنظام عن تواجد قوات عسكرية مصرية بإعداد كبيرة في الاراضي الإريترية بالقرب من الحدود السودانية، استعداداً لعمل عسكري ضد السودان وإثيوبيا وذلك اثر تعثر المفاوضات الثلاثية حول سد النهضة. وبالرغم من نفي مصادر اثيوبية وارتيرية ومصرية مسئولة لمثل هذه المعلومات، إلا أن الحكومة السودانية سبق أن قامت باستدعاء سفيرها في القاهرة وقامت بتحريك قوة قدرت حجمها بأكثر من ٤٠ الف مقاتل من قوات الدعم السريع باتجاه الحدود الشرقية للبلاد.

هنا يبقى القول: انه من المبكر التكهن بالمسارات التي سوف يتخذها الحراك الشعبي المتعاظم في الوضع الداخلي السوداني. فهل يتقدم البشير للترشح وسط هذا الطوفان من الأزمات الاقتصادية والأمنية؟. ومتى تتوقف الحركات التي قد تطور نحو مواجهات، قد تؤدي لحرب أهلية مثل سابقة دار فور، وعليه فهناك صيف ساخن ينتظر سلة غذاء العرب في السودان.

 

 د.محمد عبدالرحمن عريف

 كاتب وباحث في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

محاضر ومدرب بالمركز الثقافي الألماني (معهد جوته) القاهرة


مقالات وأخبار مرتبطة
وفي اليمن قانا
١٧ نيسان.. يوم الاسير الفلسطيني
اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان

عاجل